صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )

220

الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة

أعلى بحيث لا يكون اقدم من وجوده وجود ولا يمكن ( 1 ) ان يكون له مادة ولا موضوع صوره ولا فاعل ولا غاية لأن هذه الأشياء تسقط أوليته وتقدمه وعلم من هذا ان وجود ما يوجد عنه انما هو على محض فيض وجوده لوجود ما سواه مع علمه ورضاه ولا يفيده وجود ما يوجد عنه كمالا أو كرامة أو لذه أو بهجة أو نفعا أو تخلصا من مذمة وغير ذلك من المنافع لكونه غنيا عما عداه فلذلك وجوده الذي به تجوهر ذاته هو بعينه وجوده الذي به يحصل منه غيره بل هما هناك ذات واحده وحيثية واحده لا انه ينقسم إلى شيئين يكون بأحدهما تجوهر ذاته وبالاخر حصول شئ آخر عنه كما أن لنا شيئين نتجوهر ونتذوت بأحدهما وهو النطق ونكتب بالاخر وهو صناعه الكتابة وبالجملة لا يحتاج الفاعل الأول في أن يفيض عنه شئ إلى شئ غير ذاته صفه كان أو حركه أو آله كما يحتاج النار في احراقه في احراقه لشئ إلى صفه هي الحرارة ( 2 ) والشمس في اضائتها أطراف الأرض إلى حركه والبخار في تحت الباب إلى الفاس ولا يمكن ان يكون له في فعله عائق أو شرط منتظر افاده تفصيليه أصناف الفاعل سته ( 3 ) الأول ما بالطبيعة وهو الذي يصدر عنه فعل بلا علم منه ولا اختيار ويكون فعله ملائما لطبيعته

--> ( 1 ) الظاهر أن يقال فلا يمكن ان يكون لفاعليته المطلقة أو لفاعليته بالنسبة إلى المعلول الأول مادة أو غاية زائده ونحو ذلك الا انه لما كان ما به تجوهر ذاته ما به فاعليته كان المادة التي لها له وقس عليها ما سواها س ره . ( 2 ) محصله ان النار محرقة ما دامت حاره والشمس مضيئه ما دامت متحركة فالحرارة والحركة وان كانتا لازمتين لذاتيهما وواجبتي الثبوت لهما بذاتيهما كما هو مقتضى قاعدة الاستلزام لكن وجوب ثبوتهما لهما وضرورة وجودهما وجوب وضرورة ذاتية غير أزلية س ره . ( 3 ) لا ريب ان الافعال التي نشاهدها في الخارج على كثرتها تنقسم إلى ما لا دخل للعلم في صدورها كالأفعال الصادرة عن الطبائع والقوى الطبيعة وما للعلم دخل في صدورها كما في افعال ذوات الشعور من الحيوان كالمشي والقسم الأول ربما يكون ملائما لطبع الفاعل وهو الفاعل بالطبع وربما لم يكن كحركة الجسم والجسم الثقيل إلى العلو مثلا وهو الفاعل بالقسر واما الفاعل الذي لعلمه دخل في صدور فعله فلا شك ان العلم فيه من لوازم نوعيته وانما جهز به لتشخيص كماله النوعي وتمييزه به من غيره ليفعل ما فيه كماله ويترك غيره كالحيوان القاصد للتغذي يتحرك إلى جسم يشاهده فان وجده غذاء ا اكله وان وجده حجرا مثلا تركه هذا إذا كان عنده تصديق بلزوم الفعل اما إذا شك في أنه كمال له أوليس بكمال اخذ في تطبيق الأوصاف والعناوين الكمالية وغير الكمالية عليه فان انتهى إلى التصديق به أو انتهى إلى التصديق بأنه خلاف الكمال تركه وهذا الانعطاف إلى أحد الطرفين من الفعل والترك هو الذي نسميه بالاختيار الصادر عنه فعلا اختياريا وقد بان ان الموجب لهذا التروي هو الحصول على التصديق بأحد الطرفين والتخلص عن التردد فلو كان هناك تصديق من أول الأمر لم يحتج اليه واختير الفعل المصدق به من أول الأمر كما في الافعال الصادرة عن الملكات كالمتكلم يأتي بالحرف بعد الحرف في كلامه المركب من الحروف بأوصافه وخصوصياته اختيارا من غير أن يتروى في كل حرف حرف بما يصرفه عن التكلم فكلما تعين تصديق من غير ترو أو بعد التروي اتى الفاعل بفعله من غير امهال وانظار ومن هنا يظهر ان الفعل الاختياري والاجباري ليسا نوعين متمائزين بحسب الوجود الخارجي كي يصحح ذلك انقسام الفاعل الإرادي إلى الفاعل بالقصد والاختيار والفاعل بالجبر فان الذي يفعله المجبر في المورد انه يجعل الفعل ذا طرف واحد فيختاره الفاعل بالتصديق به بعد ما استحال طرفه الاخر المقابل في نظره ولولا عمل المجبر لعين ما يختاره بشئ من المرجحات الاخر فإرادة الفاعل واختياره أحد الطرفين في مورد الجبر والاختيار على نمط واحد وانما اختلفا بحسب الاعتبار فتعين الفعل في الاختيار لامتناع الترك بعنوان من العناوين الذي يصدق به الفاعل فيما يجده وتعينه في الجبر لامتناع الترك بتهديد من المجبر أو غير ذلك وهو أيضا عنوان من العناوين المنطبقة على الترك مثلا عند الفاعل المانعة عنها فالذي يقوم من تحت حائط يريد ان ينهدم حذرا من انهدامه عليه كالذي يقوم من تحته إذا هدده جبار بأنه ان لم يقم هدمه عليه متساويان من حيث التصديق الموجب لاختيار الفعل وارادته من غير فرق حقيقي واحد الفعلين من ذلك اختياري والاخر جبري نعم العقلاء في سننهم الاجتماعية فرقوا بين المقسمين حفظا لمصلحة الاجتماع ورعاية للقوانين الجارية فيه المستتبعة للثواب والعقاب والمدح والذم وغير ذلك فالانقسام انقسام وضعي اعتباري لا حقيقي فلسفي وقد ظهر أيضا ان الفعل الجبري لا يبطل اراده الفاعل في تأثيرها فالفعل إرادي على اي حال هذا كله في الفاعل الذي لعلمه الحصولي التفصيلي دخل في صدور فعله وهناك قسمان آخران للفاعل العلمي ذكرهما المصنف ره وهما الفاعل بالرضا والفاعل بالعناية وسيأتي المناقشة في الفاعل بالعناية فالحق ان اقسام الفاعل أربعة باسقاط الفاعل بالجبر والفاعل بالعناية عن الاعتبار نعم ما سيختاره المصنف ره في علم الواجب بغيره وهو العلم الاجمالي في عين الكشف التفصيلي يستدعى زيادة قسم على الأقسام الأربعة وظاهره ره انه يدخله في الفاعل بالعناية لأنه فاعل يصدر فعله عن مجرد العلم التفصيلي السابق على الفعل من غير داع زائد الا ان العلم حضوري لا حصولي كما في الفاعل بالعناية بالمعنى المعروف وربما سمى هذا النوع من الفاعل بالفاعل بالتجلي ط مده . أقول وجه الضبط لاقسام الفاعل بالترديد بين النفي والاثبات ان يقال الفاعل ما يكون له علم بفعله أو لا والثاني اما ان يلائم فعله طبعه فهو الفاعل بالطبع أو لا فهو الفاعل بالقسر والأول اما ان لا يكون فعله بإرادته فهو الفاعل بالجبر أو يكون فاما ان يكون علمه بفعله مع فعله بل عينه ويكون علمه بذاته هو علمه السابق بفعله اجمالا لا غير فهو الفاعل بالرضا أو لا بل يكون علمه بفعله تفصيلا سابقا فاما يقرن علمه بالداعي الزائد فهو الفاعل بالقصد أو لا بل يكون نفس العلم فعليا منشا للمعلول فاما ان يكون ذلك العلم بالفعل زائدا على ذاته فهو الفاعل بالعناية أو لا بان يكون عين علمه بذاته الذي هو عين ذاته وذلك هو العلم الاجمالي بالفعل في عين الكشف التفصيلي فهو الفاعل بالتجلي ويقال له الفاعل بالعناية بالمعنى الأعم ولذا لم يذكره هنا وقد أشرت إلى وجه الضبط هذا في منظومتي المسماة بغرر الفرائد فليرجع إليها من أراد الحفظ س ره .